حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

440

التمييز

فبين اختلاف اللّيل والصبح معرك يكرّ علينا جيشه بالعجائب واعلم أنّ الإنسان متعوّض من وجوه ليست من قبيل الأجر على العمل ، ويجوز للمؤمن أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كانت أو صياما أو حجّا أو صدقة أو قراءة أو غير ذلك . وقد ورد في صحيح البخاري ومسلم أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ضحّى بكبشين أملحين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمّته أي جعل ثوابه لهم « 1 » ، وقول اللّه تعالى وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ « 2 » ، دلّ على أنّ هذا الدّعاء ينفعهم ولا ينافي المعنى المتبادر إلى الفهم من ليس للإنسان إلّا ما سعى ، / 217 ب / أنّه لا ينفع الإنسان إلّا عمله كما لا يضرّه إلّا عمله على وجه تقتضيه الدّراية لأنّ ذلك جزاء وهذا عطاء . والسّعيد من لجأ إلى مولاه ، وأسند ظهره لعزّ عظمته وعلاه ، وتوكل عليه في أمر أولاه وأخراه . وجاء في الحديث « أفضل أعمال أمتّي انتظارها بالصبر فرج اللّه » « 3 » . ولا يكون التوكّل إلّا مع معنى اليقين ، ولا يكون يقين وتوكل إلّا مع إيمان ، لأن اليقين عبارة عن استغراق العلم باللّه في القلب ، مأخوذ من يقن الماء في الجبل إذا سكن ، فكلّ يقين إيمان وليس كلّ إيمان يقينا ، والفرق بينهما أنّ الإيمان معه الغفلة واليقين لا تجامعه الغفلة . وعلى العاقل أن يحاسب نفسه على ما فرط [ منه ] « 4 » ومن غيره ويستعدّ لعاقبة أمره بصالح العمل ولا يغتر بالأمل . طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب . وقال بعض الأبدال : الفكرة نور ، والغفلة ظلمة ، والجهالة ضلالة ، والسعيد من وعظ بغيره . ما أكثر العبر لمن نظر ، وأنفعها لمن اعتبر . ومن رأى في نفسه قيمة فليس له في التواضع نصيب . وكان الحسن البصري يقول : الرّضا أفضل من الزهد في الدّنيا لأن الراضي لا يتمنّى شيئا منها ولا منزلة فوق منزلته ، شعر ( الطويل )

--> ( 1 ) صحيح البخاري ، حديث رقم 2211 ؛ صحيح مسلم ص 1556 . ( 2 ) سورة الحشر : آية ( 10 ) . ( 3 ) المنهاج في شعب الإيمان 2 / 13 . ( 4 ) زيادة من داماد إبراهيم 946 ، أسعد أفندي ، احمدية ، نور عثمانية 3753 ، بشير بوبو .